محمد بن وليد الطرطوشي
478
سراج الملوك
وقال أبو السرايا « 1 » - وكان أحد القتّال « 2 » - لابنه : يا بنيّ : كن بحيلتك أوثق منك بشدتك ، وبحذرك أوثق منك بشجاعتك ، فإن الحرب حرب التّهوّر وغنيمة الحذر . واعلم : ان الدول إذا زالت ، صارت حيلها وبالا عليها ، وإذا أذن الله تعالى في حلول البلاء ، كانت الآفة في الحيلة . وقالت الحكماء : إذا نزل القضاء كان العطب « 3 » في الحيلة ، وإذا انقضت مدة الدول أدبرت سنّة الغفلة عن سنّة الحذر ، ويغلب الضعيف بإقبال دولته ، كما يغلب القوي بفناء مدته . وقالوا : سعود الدول ونحوسها ، مقرونة بسعود الملك ونحوسه . وقالوا : أبهى زىّ كل امرئ دولته ، فإذا انقضت بدت عورته . وقالوا : ربّ حيلة أهلكت المحتال . فمن الحزم المألوف عند سوّاس الحروب : أن تكون حماة الرجال وكماة « 4 » الأبطال في القلب ، فإنه مهما انكسر الجناحان فالعيون ناظرة إلى القلب ، فإذا كانت راياته تخفق ، وطبوله تضرب ، كانت حصنا للجناحين ، يأوى إليه كل منهزم ، وإذا انكسر القلب تمزق الجناحان ، مثال ذلك : الطائر إذا انكسر إحدى جناحيه ، يرجى عوده ولو بعد حين ، وإن كسر الرأس ذهب الجناحان ، ولا تحصى كثرة انكسار جناحي العسكر وثبات القلب ، ثم يرجع الفارون إلى القلب ، ويكون الظّفر لهم ، وقلّ عسكر انكسر قلبه فأفلح أو تراجع ، اللهم إلا أن يكون مكيدة من صاحب الجيش ، فيخلّ القلب قصدا وتعمّدا ، ولا يغادر به كبير أمر ، حتى إذا توسطه العدو ، اشتغل بنهبه ، وأطبقت عليه الجناحان .
--> ( 1 ) أبو السرايا : هو السري بن منصور الشيباني خرج بالكوفة داعيا لولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهرب حين فتحت الكوفة ، ثم ألقى القبض عليه وأرسل إلى الحسن بن سهل وزير الخليفة المأمون فقتله وصلبه ببغداد بقطعتين ، قطعة في الجانب الشرقي وقطعة في الجانب الغربى ( المحبر - ابن حبيب ص 489 ) ، و ( النجوم الزاهرة 2 / 166 ) . ( 2 ) في ( خ ) الفتّاك . القتّال : أي كثير القتل ( صيغة مبالغة ) . ( 3 ) العطب : الهلاك . ( 4 ) الكماة : الشجعان أو لابسي السلاح .